مقالات

الكمال بقلم الطيب دخان

يسير الإنسان نحو الكمال عندما يشعر بأنه الفضاء  ولا أحد له ،وهو البحر دون  شواطيء وأنه النار المتأججة والنور الساطع أبدا والرياح إذا هبت وإذا سكنت ، والسحب  إذا  أرعدت وأمطرت الجداول  إذا ترنمت أو ناحت والأشجار  إذا أزهرت  في الربيع  أو تجردت في الخريف والجبال إذا تعالت والأودية  إذا إنخفضت  والحقول إذا أخصبت  أو أجدبت.

صدقت ياجبران خليل ….؟ إن هذه هي  الصفة الحقيقية للإنسان الكامل  في هذه الطبيعة  الواسعة الأرجاء ،وعلى ساهرة هذه الأرض وهذا الفضاء، ينشأ نطفة، فعلقة ،فمضغة، ثم عظاما  فتكسى العظام لحما ،ثم يخرج  إلى هذه الطبيعة  ليصارع أهوالها  فتراه يكد ويسعى  ويسير قدما نحو التطور والإزدهار  ،متطاولا سبل الكمال  والفضيلة  لايثنيه عن ذلك  حر الطبيعة  ولا قرها  ولا ظلام الليل  ولا ضوء النهار  متحديا برد الشتاء  وعواصف الخريف الهوجاء  وحرارة الصيف وإعتدال الربيع ، فهو يحاول أن تكون  كل حياته ربيعا في ربيع  ،يجهد نفسه ويضنيها من أجل  تحقيق معنى الكلمة  التي من أخجلها خلق  إنها كلمة الإنسان .

فأن تكون إنسانا معناه أن تكون لك عاطفة جياشة  كامنة في سويداء قلبك  فتحس بجميع من حولك في هذه الدنيا.

معناه أن تذوب في أسمى  قيم النبل  والشهامة  فتسمع أنين الفقراء  في أديم هذه الأرض  تحت سواد لياليها بظلامها الغاطش  فتهرع إليهم  وتمد لهم يد العون  إن أمكنك ذلك وأن تجد أصوات أولئك الثكالى  والمحرومين  المقهورين  المعذبين  في هذه البسيطة  صدى لها داخل  جدران قلبك  الذي أضحى وعاء وكفاتا  لآلام الإنسانية جمعاء.

معناه أن تحس ببراءة الأطفال وسحرهم وجمالهم  وسذاجة البسطاء  وهدوئهم  وذكاء الأذكياء ودهائهم ومكر الماكرين وخداعهم ،ذائبا في أوساط  المجتمع محاولا  إصلاح من هم في حاجة إلى الصلاح وإرشاد  من هم في حاجة إلى الإرشاد  فلابد لك ان تجالس الكهول والشيوخ  والشباب والأطفال  محاولا فك طلاسم  وألغاز  حياتهم  وسبر أغوارها  طارقا أبواب الأغنياء مكسرا أقفالها  محاولا الولوج  إلى قلوبهم والدخول في عمق أعماقها   سارقا منها القليل من نظرات الرحمة  والعطف على الفقراء .

معناه ان تدك معاقل  حصون الملوك  والقادة والساسة  والزعماء سالبا  لهم  معاطف  الكبرياء خالعا  عنهم أردية القسوة  والجبروت  فيبسطوا أكف العدل وينشروا شعاع المساواة  والرحمة على الرعية جمعاء.

فأن تكون إنسانا كاملا لابد أن تكون  لك هذه النفس التائهة  الذائبة السائحة في أقصى أقاصي هذه الطبيعة  محاولا فهم كننهها وسبر أغوارها  وألا تكون نظرتك إليها  نظرة عابرة  بل   هي نظرة تأمل وتفكير  مستفهما ومستفسرا  في كل  أمر من أمورها  وعلى كل شكل من أشكالها  وعن كل حادثة من حوادثها وصروفها .

فلابد أن تحاول  فهم  كل مظاهر ها  البسيطة  منها والمعقدة  كمن يفتش  عن شيء أضاعه  منذ زمن بعيد  أو كالباحث  المكتشف  الذي يغور في أغوار  هذه الطبيعة محاولا سبر كنهها وإكتشاف مكنوناتها لاتملك شيئا في هذه الدنيا غير تلك الإبتسامة العريضة التي تلقيها في وجوه كل الناس صغيرهم وكبيرهم  طيبهم وسفيههم خيرهم وشرهم  لابد أن تجالسهم كلهم  وتحاورهم  جلهم لافرق  عندك  بينهم  فكلهم يسواسية  عندك  لابد أن تتفحص  كل الوجوه وتعرف مكنونات كل الأفئدة  وكوامنها  وأن تحاول الولوج  في عمق أعماقها  وإدراك ماتضمره ضمائرها  ،فلابد عليك أن تقرأ كل العيون  بإختلاف ألوانها  السوداء منها والخضراء  البنية والزرقاء  والعسلية  وأن تعرف جميع مقاصدها  وكل مآربها  فتقرأ البراءة  في بريقها  ولمعانها  ،وترى الحزن المتسلل من   رموشها وأهدابها  والفرحة المنبعثة  من أحداقها  وكذلك الحزن  وأن تدرس  كل الصور بإختلاف  ألوانها وتباين  أشكالها  وتعاين كل  الأحداث  من بسيطها إلى أشدها فجعا  وأن تشعر بمشاعر الناس وتحس بأحاسيسهم  وتتألم  لآلامهم  وتفرح لأفراحهم  وتتأوه لتأوهاتهم  وترقص في أعراسهم  وتبكي في مآتمهم  وتتوجع لأوجاعهم  وتسعد لسعادتهم  متأثرا بأبسط المشاهد  متألما لأشد الفواجع  فتتحمل  معهم النوائب  والمصائب  وتحمل جراحهم جرحا فجرحا  داخل صدرك  في سويداء تلك العضلة  النابضة المتحركة  بإنتظام  دقيق والتي  ندعوها القلب  تلكم هي الإنسانية بأسمى معانيها  وهذا هو معنى  أن تكون  إنسانا كاملا  بمعنى الكلمة.

الوسوم
رابط مختصر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *